الاثنين، 19 سبتمبر، 2011

شخبطة قديمة: كوب لبن نقي

كوب لبن نقي :(قصة قصيرة)

(1)

دخل على غرفة نومه ونظر الى ابنه الصفير( الذي مازال في السابعة من عمره) وهو نائم في سبات عميق….كالملاك الطاهر …دنا منه وفرد جسده بجوار ابنه الجميل وطوقه بذراع وضمه الى صدره حتى شعر بانفاسه المتلاحقة تهف في رقبته…فابتسم في رضا وطبع على جبين صغيره قبلة حانية…..ثم  ترك الصغير ينام براحته على السرير واستمر ينظر اليه ويداعب شعره البني الناعم …..
في هذه الأثناء , دار في ذهن صاحبنا كثير من الخواطر والأحلام(يا سلام  لو كل انسان حافظ على نقاء قلبه مثلك يا صغيري…اني اعشقك يا بني..احب كل شئ فيك…يديك النظيفتين من كل سوء والتي لم تتلوث بعد بدماء الغلابة والمقهورين واليائسين…أذنك التي لم تتجسس على أحد و لم تخترق اسرار أحد……-أمسك بيد الصغير في منتهى الحنية حتى لا يوقظه وطبع عليها قبلة  وتركها في خفة- أحبك يا ولدي وأحب قلبك الذي لايحمل ذرة حقد ولا حسد ولا كره لمخلوق……..وروحك الطيبة التي لاتحمل ذرة بخل ولا خداع ولانفاق…يا الله على نفسك المطمئنة……ان نفسك ككوب اللبن النقي الذي لم يعكر بعد
لا تخف يابني  …لن اسمح باهانتك ولا هضم حقك …لن اترك  من يظلمك مهما كان …سأقف بجانبك مهما كلفني الأمر….يجب ان  أحافظ على نصاعة بياض قلبك …..
نم  يا عزيزي .. غدا أبوك سيرد اعتبارك ….نم ولا تخف)
(2)
في صباح  اليوم التالي …وقف صاحبنا مع صغيره امام باب المدرسة والصغير يرتعد من الخوف ومن خوفه جذب يد ابيه للوراء يدعوه للرجوع للمنزل….فدنا الأب الحنون لولده ونظر في عينية وقال له"لا تخف ياولدي اني أراقبك من شباك غرفتي لاتخف اذا أذاك  هذا المدرس ستجدني أمامك  وأنقذك منه"وقبله ثم سلمه لبواب المدرسة.
صعد الرجل لمنزله وفتح الشباك وجلس يراقب ابنه وهو يقف في الطابور حتى صعوده لفصله….شعر بحركة خفيفة من خلفه ..انها امه المريضة المشلولة قد استيقظت …فالتفت اليها في خفة قائلا:"صباح الخير يا ست الحبايب حالا افطارك سيكون جاهز…قبل يداها وذهب ليعد الافطار…..
وبعد ان انتهى من الافطار…جلس يكلمها وهو يعلم انها لن ترد عليه بصوتها ولكن بنظراتها.."أمي يا أعز الحبايب…يا منبع الحنان والحب…رضاك عليا هو هدفي في الحياة ..انك الجنة يا أماه وليس الجنه هي التي تحت قدميك ….انك الحب والسلام …امومتك لا تنبض ابدا وهي لي خالصة …لو فعلت كل مايرضيك لن يساوي شئ في بحر حنيتك علي… كفي انك لم تلد غيري …امي لقد عودتني ان من يهيني لا أرد عليه اذا كان يكبرني سنا …واذا كان في سني أقول له الله يسامحك ولكن ياأمي هذا لا ينفع في ايامنا هذه …يعز علي مخالفة أمرك لكن الأمر وصل لحبيبي وحبيبك …لقد أهين من استاذه عندما ضربه على ظهره كالحيوان ….انا سوف اراقبه من بعيد وان دنا من ولدي سأقتله يا أمي ولن يهمني شيئا…سأخلص ولدي من شره للأبد"
وهنا لاحظ نظرة استعطاف في عين أمه الضعيفة وكأنها تقول له لا يا ولدي……….دقت الساعة معلنة أن الساعة 12 ظهرا ميعاد حصة هذا الاستاذ العدو ..وقف صاحبنا على الشباك يراقبه في تحفز ودقات قلبه تتسارع و أخذ الاستاذ يلوح بعصاه  ..انه يعرف هذه العصا كم من مرة ذاق لساعاتها من نفس الأستاذ..وكم اشتكى من شدتها لأبيةالله يرحمه ولكنه لم يجرك ساكنا…لكنه لن يسمح لهذه العصا ان تنال من صغيره مرة أخري ياويلك أيها الأستاذ ان فعلت شيئا لولدي (هكذا حدث نفسه)
وفجأة رأى صاحبنا ما كان يتوقعه وما كان رافضا له ..لقد ارتكب هذا الأستاذ حماقته مرة ثانية مع صغيره…….لم يتمالك نفسه سحب سكينة المطبخ وانطلق يجري في الشارع متجها للمدرسة وكان كل من يتعرض له ينال ضربة من سكينه واقتحم الفصل واندفع نحو الاستاذ ووضع السكينة على رقبته وأخذ ينادي:يارامي ..رامي…رامي…في وسط صراخ من التلاميذ…
((رامي مين؟ يا مجنون ؟مفيش حد هنا اسمه رامي)) هكذا قال الاستاذ بصوت محشرج…….التفت سريعا ينظر في وجوه التلاميذ المسعورة…لم يجد رامي صغيره بينهم…دخل المدرسين سريعا وهجموا عليه صائحين:اطلبوا البوليس
لم يتمالك الرجل نفسه ,ووجه طعناته للمدرس…ليسقط المدرس في بركة من دمائه………
(3)
كانت الحيرة والفضول يملئا عقل وكيل النيابة وهو متجة لمنزل القاتل فكان محتارا بين اتهام المدرسين للمتهم بالجنون …واتهام المتهم للمدرسة باخفاء ابنه بعد ما قاموا بتعذيبه…عندما اطرق باب المنزل القريب من المدرسة بشدة …جائه صوت امرأة عجوز في الستين من عمرها متسائلة:
-من بالباب؟
= بوليس..افتحي
فتح الباب ودخل رجال النيابة والمبحاث الشقة وانتشروا فيها في ثواني معدودة….وعرف وكيل النيابة بذكائه انها الخادمة
سئلته في قلق بالغ :
-خير يابيه ؟!!!!..المهندس جمال  لم ياتي بعد
=هو مقبوض عليه في قضية قتل
لطمت على وجهها صائحة:قتل؟!!!
=منذ متى تعملين هنا؟؟؟(سألها بمنتهى الحزم)
قالت في منتهى الحزن :منذ سبع سنوات….(التفت اليها وكيل النيابة وهو يتابع حديثها)….منذ وفاة الست والدته الله يرحمها
(4)
وقف الجميع  قبل اعدام المهندس جمال وبعد ان قرأوا عليه الحكم وعلق عشماوي الحبل في رقبته …سأله مأمور السجن …نفسك في حاجة يا جمال…
رفع رأسه في ضعف ورسم ابتسامة حزينة على شفتيه قائلا:كوب لبن نقي

(تمت)
القاهرة :مارس 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق