الاثنين، 19 سبتمبر، 2011

شخبطة قديمة : السيدة صاحبة الخمار

السيدة صاحبة الخمار:(قصة قصيرة)
لن أنساها ما حييت,ولن انسى هذا اليوم ,يوم تجمع الناس من كل حدب وصوب للصلاة في أكبر صلاة جنازة شهدتها في حياتي على رغم من أنها كانت في زاوية صغيرة في شارعنا الجانبي ولكن الحصر والسجاجيد في كل مكان وخشوع المطليين يوحي للغريب عن شارعنا أنها صلاة خلف صاحبي جليل أو أنها صلاة سيغفر الله للمصليين ما تقدم من ذنوبهم .
وفى المساء نصب  صوان أكبر من صوان مؤتمر نائب دائرتنا أثناء حملاته الدعائية,وغلب عدد حاضرين هذا العزاء  عدد الهتيفة وكذابين زفةالنائب الشهير,لأنه عزاء الست (مصرية),لم اعرفها معرفة شخصيا ,كانت (رحمها الله) من عملاء صيدليتنا,صورتها تظهر أمامي الآن و أيضا وجهها الصبوح النوراني,أتذكر دعاءها لي بالصحة والبركة بعد أي نصيحة أو استشارة أقدمها له,نصائحها ترن فى أذني الآن   (لازم تفضل تتعلم لأنك مهم جدا للناس,انت أقرب واحد متعلم تعليم عالى للناس لأن شغلك وسط الناس في الشارع اللي يفرقك عنهم فقطالرصيف,أوعى تفوت الصلاة وماتخافش على رزقك..),أفتقد وصفها لنفسها لتذكيري بشخصها عندما تحادثني تليفونيا(أنا الحاجة اللي بتجيلك لابسة خمار),كانت (الست مصرية ) حديث الساعة فى هذا اليوم ولأيام تلتها,لايدخل علي أحد الا والحزن في عينيه وذكر فضل السيدة الفاضلة على لسانه,هذه تذكر تربيتها لها وهي صغيرة,وتلك تذكر لى وقفة المرحومة ضد شيخ الزاوية المتشدد الذي ملأ صدور وعقول  الشباب بالتطرف و الجهل حيث حرم الثقافة وخروج المرأة للعمل و مشاهدة مباريات كرة القدم ودراسة لغات الفرنجة الكفرة ,وبعدها حثهم على الأمر بالعروف والنهي عن المنكر وأن يكونوا قويو الايمان ولا يلجأون لأضعف الايمان في دعوتهم ,وساد الارهاب تلك الايام ,ولم ترضى هذه المهانة الست (مصرية) وخرجت لعملها في المستشفى غير  عابئة بالشيخ ومريديه وفى عودتها في بداية النهار اليوم التالى ,وجدت الشيخ وجماعته فى انتظارها أسفل منزلها,ولما رآها قادمة صرخ فيها(انت ياولية مسمعتيش التعليمات ..انت مصممة على معصيتك لله…ده آخر انذار ولو اتكرر ده  تاني هقيم عليك حد الله..),قاطعته بصوت قوي( وانت مين أصلا علشان تقيم حد الله …وبعدين هو الله سمح لفضيلتك انك تستنى ست وانت شوية شباب تحت بيتها ,هو ده تسمبه ايه يا شيخ…و بعدين انت مين اصلا علشان تقولى رايحة فين وجاية منين ,انا عارفة حدود الله أكثر منك لأنى حافظة للقرآن وعارفاه كويس زي ماانا عارفة كل عيل من العيال الصيع دول.. اللي في منهم انا مربياه فى بيتي مع ولادي ,وفيهم اللي اتولد على ايديا) ثم التفتت للشباب وقد خفض جميعهم أعينهم غى الأرض ,وقالت لهم بغضب وحزن الأم )لو معقلتوش وبطلتم صياعة مع شيخ المنصر ده والله ما لساني ده هيخاطب لسان أي واحد فيكم وأكون غضبانة عليه ليوم دين ),وتركتهم وصعدت لمنزلها ,ومنذ ذلك اليوم انتهت جماعة هذا الشيخ الذي شد رحاله بعيد عن شارعنا.
 ليس هذا أكبر فضل  للست مصرية على أهالي شارعنا ,كان هناك موقفا علمت به الرجال قبل النساء ,علمتهم معنى ان تكون مصريا موضوعا وليس اسما فقط –كما قال لى راوي هذا الموقف-حين وقفت امام جبروت عضو مجلس الشعب الذي ظن انه فعلا اشترى الناس ب150 وزعها على كل فرد اثناء دعايته الانتخابية,وقفت ضده لكي تمنع بناء مصنعه وسط منطقتنا المكدسة بالسكان,ولقد كلفها هذا الوقوف صحتها وربما عمرها ايضا.
كانت بداية المواجهة في مقره الانتخابيي عندما زارته مع نفر من كبار أهل المنطقة وأبدوا انزعاجهم ببناء المصنع وسط السكان ,وقد كان رد فعل النائب ابتسامة صفراء ورد مقتضب انه سيدرس الموضوع ,وسيبلغهم رده ,ولكن طال انتظارهم لرد السيد النمائب ,فاقترحت (الست مصرية) رفع دعوى  قضائية ضده .فانتكس معظمهم عن هذا الاقتراح خوفا منه خصوصا انه محامي شهير وأن القانون لعبته. خافو ولم تخف وأقامت الدعوى  ضده ,توالت الجلسات وأيام وعلمت الصحافة وبدأت الحملات الصحفية على الموضوع وكانت تجتنب هى الأحاديث الصحفية ولكن النائب رحب بهذا جدا,لأن هذا سيجعله من ضيوف البرامج والصحف وخصوصا انه عن طريقهم سيجد ويلة سهلة لارسال رسائله التهديدية لأهالى المنطقة عامة والست مصرية خاصة…ولكن الست مصرية كانت قوية المواجهة لأن الله وفقها فى محامي شاب متحمس وبارع وهو أصلا ربيبها اثناء طفولته ,وبدأ النائب يشعر ببداية ضعف موقفه فكرر اللعب من تحت الحزام حيث استطاع  ايقاف علاج الست مصرية على نفقة الدولة   بحكم قضائي ,وبموجب هذا القرار وقف صرف حقن الانترفيرون (علاج فيروس سي الذي اصابها من خلال عملها كممرضة فى المستشفى وعلى آثره أحيلت للمعاش) بحجة ان التقارير الطبية تؤكد عدم حاجتها له ويمكن السيطرة على مرضها بمنشطات الكبد, ,وساومها القذر على انه سيقوم بشراء 100 علبة انترفيرون لتكمل بها علاجها مقابل التنازل عن دعواها ضد بناء مصنعه., وجائه ردها قويا (ان العمر والصحة امناتان لله عندى وله ان يردهما وقتما شاء ,واعلم ان الشفاء ده من عنده ومش عند الدواء..وبعدين ازاي عايزتي اطمن على نفسي من دواء انت جايبهولى مقابل ان اتنازل عن حق الناس أهالى المنطقة فى انهم يعيشوا من غير امراض تبهدلهم طول عمرهم).
طرد النائب شر طردة من منزلها مرسلا وعيده لها عبر صيحاته ,وفقت تنظر اليه من شرفتها بمنتهى الشموخ ثم رفعت يديها (اللهم ارنا فيه عجائب قدرتك),وماهى الا أيام معدودات الا وحلت الطامة الكبرى على رأس الظالم,لقد قبض على ابن النائب يتاجر بالمخدارات متلبسا ,وشغلت هذه القضية الرأي العام ,وصارت فضيحة النائب على كل لسان ,وتبع ذلك انهيار تام للنائب سياسيا واقتصاديا و أدبيا وبالطبع خسر قضيته امام الست مصرية.
رحمة الله على  الست مصرية التى كنت اعرفها بالسيدة صاحبة الخمار ولم اعلم اسمها الا فى عزائها ,ولم اعلم معناه الا بعدما عرفت مواقفها.
(تمت)
أحمد الخولى
أكتوبر 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق